أبو نصر الفارابي

80

كتاب السياسة المدنية

وأما الخير الإرادي والشر الإرادي وهما الجميل والقبيح فإنهما يحدثان عن الإنسان خاصة . فالخير الإرادي إنما يحدث بوجه واحد وذلك أن قوى النفس الإنسانية خمس : الناطقة النظرية والناطقة العملية والنزوعية والمتخيلة والحساسة « 1 » . والسعادة التي إنما يعقلها الإنسان ويشعر بها هي بالقوة الناطقة النظرية لا بشيء آخر من سائر القوى ، وذلك إذا استعمل المبادي والمعارف الأول التي أعطاه إياها العقل الفعال . فإذا عرفها ثم اشتاقها بالقوة النزوعية وروّي فيما ينبغي أن يعمل حتى ينالها بالناطقة العملية وفعل تلك التي استنبطها بالرؤية من الأفعال بآلات القوة النزوعية وكانت المتخيلة والحساسة اللتان فيه مساعدتين ومنقادتين لناطقة ومعينتين لها في إنهاض الإنسان نحو الأفعال التي ينال بها السعادة كان الذي يحدث حينئذ عن الإنسان خيرا كله . فبهذا الوجه وحده يحدث الخير الإرادي « 2 » . وأما الشر الإرادي فإنه يحدث بالذي أقوله وهو أنّ المتخيلة والحساسة ليس واحدة منهما تشعر بالسعادة ، ولا الناطقة أيضا تشعر بالسعادة في كل حال بل إنما تشعر الناطقة بالسعادة إذا سعت نحو إدراكها . وهاهنا أشياء كثيرة مما يمكن أن يخيل للإنسان أنه هو الذي

--> ( 1 ) أبدل الفارابي الناطقة العملية بالغاذية أو المنمية التي وردت عند أرسطو . ( 2 ) عدّد الفارابي الشروط التي ينبغي توافرها ليقوم الإنسان بعمل الخير وهي معرفة السعادة بفضل المبادي التي يعطيها إياه العقل الفعال والنزوع إليها أو اشتياقها ، والسعي إليها ، وانقياد الحساسة والمتخيلة للناطقة .